ابن عجيبة
333
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم قال تعالى : إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ ، أي : إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء ، فسلموه إليه ، واقنعوا بالأخماس الأربعة ، وَما وكذا إن كنتم آمنتم بما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من القرآن ، في شأن الأنفال ، ومن النصر والملائكة ، يَوْمَ الْفُرْقانِ ؛ يوم بدر ، فإنه فرّق فيه بين الحق والباطل ، يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ ؛ المسلمون والكفار ، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ فيقدر على نصر القليل على الكثير ، بالإمداد بالملائكة ، وبلا إمداد ، ولكن حكمته اقتضت وجود الأسباب والوسائط ، واللّه حكيم عليم . الإشارة : واعلموا أنما غنمتم من شئ من العلوم اللدنية ، والمواهب القدسية ، والأسرار الربانية ، بعد مجاهدة العلائق والعوائق ، حتى صار دين القلب كله للّه ، فلله خمسه ؛ فناء ، وللرسول ؛ بقاء ، ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ؛ تعظيما وآدابا . يعنى : أن العلم بالله يقتضى القيام بهذه الوظائف : الفناء في اللّه ، بالغيبة عما سواه ، وشهود الداعي الأعظم ، وهو رسول اللّه ، والأدب مع عباد اللّه ، ليتحقق الأدب مع اللّه . واللّه تعالى أعلم بأسرار كتابه . ثم بيّن يوم الفرقان ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 42 إلى 44 ] إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 42 ) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 43 ) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ( 44 ) قلت : ( إذ ) : بدل من ( يوم الفرقان ) ، أو ظرف لالتقى ، أو لاذكر ، محذوفة ، والعدوة مثلث العين : شاطىء الوادي ، و ( الدنيا ) أي : القربى ، نعت له ، و ( القصوى ) : تأنيث الأقصى ، وكان قياسه : قلب الواو ياء ، كالدنيا والعليا ؛ تفرقة بين الاسم والصفة ، فجاء على الأصل ، كالقود ، وسمع فيه : « القصيا » على الأصل ، وهو شاذ . و ( الركب ) : مبتدأ ، و ( أسفل ) : ظرف خبره .